نضال سيجري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نضال سيجري

مُساهمة  الطالب ليث حسن في الجمعة مايو 27, 2011 10:25 am

نضال سيجري: حفيد سرجون بحّار وسائق شاحنة وأشياء أخرى


سوري حتى العظم، هكذا يعرّف عن نفسه. جدُّه سرجون الأكادي، ملك الجهات الأربع. «روحه تسكنني»، يقول نضال سيجري. الممثل السوري مقتنع بأنّه الوارث الشرعي لأسامة بن منقذ (1095ــــ 1188) الشاعر، والأديب، والفارس، الذي ولد في قلعة شيزر، في منطقة محردة (اللاذقيّة). على مقربة من تلك القلعة المطلّة على البحر، ولد سيجري. قرّر منذ الطفولة أن يجعل البحر صديقه، يفضي إليه بأسراره، ويخبره عن أحلامه. «من البحر تعلَّمت أول الدروس السُّرانيَّة، وما زلت حتى اليوم أؤمن بأهمية السر». من والده الموظف الحكومي، تعلّم الديموقراطية فعلاً، لا قولاً.

«في بيتنا الصغير، مارسنا الديموقراطية من دون أن نعرف اسمها. خمسة شباب وبنتان، نُعبِّر عن أنفسنا، ولا سلطة لأحدنا على الآخر». في حضن أسرة متماسكة، مُتحابّة، ترعرع نضال، طفلاً عادياً. ترتيبه مباشرةً قبل آخر العنقود، أعفاه من الاهتمام المبالغ فيه، الذي يحظى به الأكبر والأصغر عادةً. شارك في المسرحيات المدرسية، وفي معسكرات الطلائع، ولعب كرة القدم.

كان ينجح في مدرسته، ويشاغب.«المشاغبة ممارسة للحرية، لم أكن مؤذياً بشغبي»، يقول. لم يكن من بين الأوائل، ولم يهتم يوماً بهذا التصنيف.

«الحياة أجمل عندما تكون خارج التصنيفات. لطالما شعرت بالشفقة على هؤلاء الأوائل. لم يكونوا أحراراً مثلي، بل مطاردين بسياط درجات التفوق». عرف الحب للمرة الأولى حين أُغرم بمعلمته، «طبعاً حب من طرف واحد»، يطمئننا مبتسماً. وأحب كذلك عريفة المدرسة. كانت طفلة جميلة، في الصف السادس الابتدائي، وكان هو في الصف الرابع. اقتنع بأنها لن تلتفت إليه لصغر سنه، فكّر، ثمّ قرّر. «قلت لصديقي في الصفّ: أنا وأنت لو جُمِعْنا نصبح في الصف الثامن، لنحبها معاً. ذهبنا وأخبرناها، فأسعدها ذلك».

لكنّ الفتاة التي لا ينساها أبداً، هي تلك التي كان بيتها فوق الفرن. «كنتُ أترقَّب نفاد الخبز في بيتنا، كي أذهب لشرائه، وكانت هي تقف على النافذة المطلة على مدخل الفرن». لو لم يكن ممثلاً الآن، لكان سائق شاحنة، أو بحاراً: «مهنتان لهما علاقة بالسفر، والمغامرة، والبحث عن حياة أخرى، في أمكنة أخرى».

بعد إنهائه المرحلة الثانوية، شدّ الرحال مع صديقه إلى دمشق. قدّم نضال أوراقه للسفارة البلغارية، بغية الحصول على منحة لدراسة الهندسة، تلبيةً لرغبة الأهل، فيما قدّم صديقه أوراقه لامتحان الدخول إلى «المعهد العالي للفنون المسرحية». «عندما خرجت من باب السفارة البلغارية، صادفت أحد أساتذتي في الثانوية. قال لي: سجِّل في المعهد، لا تناسبك الهندسة، ممكن أن تكون ممثلاً جيداً». هكذا وجد نفسه يتقدّم إلى امتحان القبول في معهد المسرح، من دون أن يخبر أهله. عاد إلى اللاذقية، ظهرت نتائج المعهد، قُبِل نضال، ورُفض صديقه. كان ذلك في عام 1986. في «معهد الفنون المسرحية» سيكتشف أن باستطاعته أن يكون بحاراً، وسائق شاحنة، وأشياء أخرى...

عمل لتوفير مصروفه، وأجرة غرفته في حي باب توما التي لم يغادرها إلا عام 2005. منعه حبه لغرفته تلك من الهجرة إلى كندا، لكنّه اضطر إلى فراقها بعدما تزوّج. أثناء دراسته الجامعيّة، عمل نادلاً، وعامل بناء، وعاملاً في معمل شامبو، ثم بائع بسطة بصل وثوم، مع صديقه الممثل أندريه سكاف. «لكننا اكتشفنا، أندريه وأنا، أننا لا نصلح لنكون من أصحاب المشاريع التجارية»، يتذكّر ضاحكاً. رنين ضحكته اختلف قليلاً، بعد العملية التي أجراها في حنجرته.

على مقاعد المعهد، تعلّم من المسرحي فواز الساجر كيف يغامر، ويجرّب، ويحلّل، ويفكّك، ويركّب... «رحيل فواز الساجر، كان أصعب أيام حياتي. أدركت أنني سأبقى أفتقد هذا الرجل طوال عمري». أمّا جهاد سعد، فعلّمه كيف يكون عاشقاً للمسرح في مسرحيّة «ميديا وجيسون» (1988). «كنت طالباً في المعهد، ومن غير المسموح لي العمل خارجه. لكنّ جهاد سعد حصل لي على استثناء من وزارة الثقافة». تكررت التجارب المسرحية. «كاليغولا»، و«أواكس»، و«سفر برلك»، فتشرّب قدسية العلاقة بين الممثل والخشبة.

حبّه للمسرح ازداد يوماً بعد آخر، ونتج منه 35 عملاً مسرحياً تمثيلاً وإخراجاً، آخرها «حمام بغدادي» لجواد الأسدي، مع زميله فايز قزق، ومسرحية «نيغاتيف» من تأليفه وإخراجه. علاقة نضال سيجري مع المسرح ليست علاقة عادية. فقد كانت الخشبة الحاضن الأول لموهبته. تسمعه يردد غالباً: «إن أحضرتم لي سريراً، فسأنام هنا على الخشبة، إنه بيتي، الرحم الذي منه خرجت ممثلاً. هنا أشعر بالحماية، وعدم الصدأ». رغم الأجور المرتفعة في الدراما السوريّة، التي وفرت له حياةً جيدة، إلا أنه يمكن أن يرفض عملاً تلفزيونياً، إن تعارض مع أحد أعماله المسرحيّة.


عندما أُسندت إليه إدارة «المسرح القومي»، لم ينظر إلى الأمر من باب المنصب والنفوذ. «جهّزت استقالتي منذ اليوم الأوّل لقبول العرض. كنت فعلاً أطمح إلى أن أنجز شيئاً مهماً، ولكن...». بعد أقل من سنة، أخرج استقالته من الدرج، مشى باتجاه سترته المعلقة، ارتداها، وخرج، وأغلق الباب خلفه. «اكتشفت أن المنصب مجرد كرسي، لا أكثر ولا أقل».

حجز نضال سيجري لنفسه مكانةً خاصةً في ميدان التمثيل. هو نجم صنع أدواره ولم تصنعه الأدوار. يمتلك القدرة على أن يجعل من دور كومبارس، شخصيةً لا تنسى، واضعاً نصب عينيه مقولة المعلم الروسي ستانسلافسكي: «ليس هناك دور صغير وآخر كبير. هناك ممثل صغير وممثل كبير».


في غمرة نجاحاته على الشاشة والخشبة،
جاءه صوت الطبيب حازماً: «انتبه يا نضال، هناك عدو شرس يتربص بك». عرف أنّه مصاب بورم في حنجرته. في تلك اللحظات، مرّت حياته كشريط سينمائي أمام عينيه. «قلت في نفسي: فيلمي أنا بطله، وعليّ أن أنجزه على طريقتي. هناك كلمات يجب أن أقولها، وأشخاص ينتظرونني لأتعرف إليهم وأحبهم، وأدوار لم أمثلها.

الملك لير ينتظرني حتى أنضج أكثر...

وقبل كل ذلك ولداي، وليم (5 سنوات)، وآدم (3 سنوات)، وسندس رفيقة الدرب». قرَّر ألا يستسلم للمرض.


بعد آخر معاركه الحاسمة مع المرض، قال له الطبيب: «بإذن الله هزمت عدوك يا نضال، لكن لا تتكلم كثيراً، وفّر صوتك لأدوار مهمة تنتظرك».

إيمان الجابر

المصدر:
http://sns.sy/sns/?path=news/read/23351

الطالب ليث حسن

عدد المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى