قوة التسامح الديني والأخلاقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قوة التسامح الديني والأخلاقي

مُساهمة  الطالب جمال علوش في الجمعة مايو 27, 2011 3:26 pm

في قوة التسامح الديني والأخلاقي...التسامح ليس تنازلاً... والسماح جود وعطاء وسخاء




بمعزل عن النصوص التأسيسية الأولى في المسيحية والإسلام حول فكرة التسامح فقد تطابقت الرؤية إلى التسامح في الاتفاقات الدولية بخصوص إبادة الجنس البشري عام 1948 من القرن الماضي والقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1973م، واتفاقيات حقوق الطفل عام 1985م، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979م، ومناهضة التعذيب عام 1984م، والقضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد عام 1981م.

وبمعزل عن مساحة التطابق الكاملة للنصوص الدينية ونصوص الاتفاقيات الدولية في إرساء ثقافة التسامح فإن إخفاق هذه الثقافة على أرض الواقع الديني الراهن وإخفاقها على أرض الاتفاقات الدولية يجب أن تدرس بتقصي جميع العوامل التي تدفع عالمنا الإنساني إلى جحيم العنف وصلته بإرهاب الكيان الإسرائيلي الغاصب وصلته كذلك بإرهاب العولمة التي تريد اجتياح العالم لفرض نموذجها بقوة السلاح من أجل أن يدخل العالم بأسره في دوامة الاختناق بدخان العنف الأسود الذي لا يفصل بين سلام الحق وإرهاب الباطل.

لكي لا يفهم من التسامح على أنه شيء من التنازل عن الحقوق والقيم أو شيء من الاستسلام للأمر الواقع حتى ولو كان زائفاً، فإن السماحة والسماح في معاجم اللغة بمعنى الجود والعطاء والكرم والسخاء، ما يعني أن فعل التسامح في جوهره هو فضيلة أخلاقية. وفي الحديث القدسي ورد مصطلح التسامح بحرفيته في قوله عز وجل: «اسمحوا لعبدي يوم القيامة كإسماحه لعبيدي» والمسامحة هي المساهلة وفي الحديث المشهور: «السماح رباح» وما ورد في فقه السيرة النبوية من دعوة إلى اليسر والموافقة والرفق واللين والسعة وتذليل الصعوبات فهو من بناءات التسامح الديني وأخلاقه، ولذلك وصفت الرسالة النبوية المحمدية بالحنيفة السمحة أي ليس فيها ضيق ولا شدة ولا عنف.


ومن أولويات التسامح:

أولاً: الدعوة إلى تكريس ثقافة الحق في الاختلاف وإلى إنهاء شعارات التكفير والتكفير المضاد ليصبح الآخر هو الأخ المقابل لي في مرآة الذات.
ومن هنا نعتبر حوار المسيحي مع المسلم وحوار المسلم مع المسيحي ليس حواراً مع الآخر وإنما هو حوار مع الذات.


ثانياً: أن الصياغة المثلى لنظم علاقات التنوع والاختلاف تتجلى كأروع ما تكون في تعزيز مفهوم المواطنة وحواضنها في الوحدة الوطنية وأن التوحيد والعروبة هما ناظم الانتماء لهويتنا الدينية والحضارية في بلاد الشام.


ثالثاً: المناداة بقبول المسلم كما هو وقبول المسيحي كما هو بعيداً عن تنميط الأحكام الجاهزة والصور النمطية الجاهزة والتي انتهت إلى استغلالها بعد الحادي عشر من أيلول فيما اصطلح عليه في الإعلام الغربي الإسلام فوبيا والعرب فوبيا.

رابعاً: أن الغرب ليس مسيحياً بالمعنى العقدي والأخلاقي، والشرق ليس إسلامياً بنفس المعنى. وإن الصراع العربي– الإسرائيلي ليس حرباً بين الأديان وإنما صراع بين مشروعين: أحدهما: مشروع هيمنة الاحتلال والاستعمار بجميع أشكاله وارتداداته القديمة والجديدة. وثانيهما: مشروع المقاومة والتحرير والدفاع عن الأرض والهوية والمقدسات بكامل منابتها المسيحية والإسلامية في رمزية كنيسة القيامة والمسجد الأقصى الشريف. وما أسماه الغرب قديماً وحديثاً بالحروب الصليبية لم يكن في مضمونه وأبعاده إلا توظيفاً سياسياً للوجدان الديني من أجل أغراض سياسية واستعمارية نجد مثيلاتها في تشويه صورة الإسلام في كثير من المجازر التي ارتكبت باسم الإسلام والإسلام بريء منها.


خامساً: ورغم اختلاف المواقف الحادة عن جدوى التسامح في زمن الحروب ورغم شيوع منطق أن العنف لا يقابل إلا بالعنف، فقد وضعنا نظرية أن نقابل العنف بتسامح القوة لأن القوة بجميع مصادرها هي التي تحميك من مخالب العنف، والتسامح هو الذي يردع العنف وهو الذي يجعل من الأعداء أصدقاء بهدي الأدبيات المسيحية والإسلامية المشتركة: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».

سادساً: في لقاء التواصي على الحق والتواصي على الصبر والتسامح كنا نؤكد على أن ما يجري على مسرح التصادم ليس صداماً بين الأديان والحضارات والثقافات وإنما هو صدام بين جهالات التدين الأعمى وجهالات السياسة الحمقاء ومطامع الحروب الاستباقية في أرضنا وثرواتنا، في المصطلح القرآني يضع القرآن تعريفين للدين: أحدهما: تعريف يتصل بجميع حركة الأنبياء: «إن الدين عند اللـه الإسلام» وثانيهما: إن القرآن الكريم عندما يريد أن يعرف الجوهر الإيماني للدين والتدين فإنه يكشف عن الجانب الاجتماعي والأخلاقي من جوهرة الدين ليقول لنا: «أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين».


وفي موضوع الأخلاق تعرف الأخلاق بإعطاء الجسم والروح أقصى ما يمكن من الكمال والجمال، والأخلاق عندي هي خروج من قفص الذات إلى فضاء الآخر ولا يمكن أن تتحقق عملية هذا التواصل إلا أن تعي تماماً الفلسفة العميقة لوحدة الدين في وحدة الإنسان ووحدة الحضارة.


إن المستند الذي يجدر للأديان التوحيدية الثلاثة أن تعتمده للحوار هي الأصول الإبراهيمية الكبرى وفي تراثنا الإسلامي ثمة وثائق تصح أن تكون مرجعية عليا لهذا الحوار، الوثيقة النبوية التي باركت حلف الفضول والوثيقة النبوية التي أسست لصلح الحديبية والوثيقة النبوية لنصارى نجران والوثيقة النبوية التي أسست لأول مرة لدستور المدينة القائم على الاعتراف بالتعددية الاجتماعية الدينية والوثيقة العمرية لأهل بيت المقدس والوثيقة الإسلامية عند فتح قسطنطينية، ومن ألف باء الدين أن المسيحية محبة، وأن الإسلام رحمة، ويهمني في موضوع هذه المحبة وهذه الرحمة تلفت الباحثين إلى خطأ شائع يعزو نشأة مفهوم التسامح إلى مرحلتين: إحداهما: أن إنجاز ثقافة التسامح قد تبلورت مع كوارث الحروب في القرن الخامس عشر، وثانيهما: أنها أنجزت مع تأسيس الدولة المدنية وانتشار الدعوات الليبرالية والديمقراطية بإيحاء مبطن يحمل كنائس العصور الوسطى مسؤولية القمع والاضطهاد على الدين، لتجيء إصلاحات مارتن لوثر بعد ذلك داعية إلى أن تكون الأولوية في التدين لمبدأ حرية الاعتقاد وإلغاء محاكم التفتيش وقطع كل إجراء ضد الهراطقة والملحدين.
ذلك ما كان من نقد في الخلط بين الدين وبعض المؤسسات التي امتهنت القرصنة باسم الدين لتغذي ما يسمونه أصوليات التطرف الديني والعصبيات الدينية فانتشرت منذ القرن السادس عشر مئات الكتب الصفراء التي تقود حملتها الغاصبة ضد التسامح مع المخالفين وبترجمة حرفية ترى أن التسامح هو أكبر غلطة وضعها الشيطان.


ومن مفارقات التاريخ أن ترتبط فكرة التسامح بعصر التنوير والأنوار ولم يشأ جان لوك في رسالته عن التسامح الديني والسياسي والاجتماعي إلا أن يربط سؤال التسامح بالحداثة الغربية لافتاً إلى أن فكرة التسامح يجب أن تبنى على مرتكزين أحدهما: النسبية الدينية التي تقرر أن كل دين يكشف عن جانب من جوانب الحق، ولهذا كانت الأديان كلها ضرورية من أجل تحصيل الحق بأكمله، وثانيهما: أن فكرة التسامح يجب أن ترتكز على فكرة تلاقي الأديان من منطلق أن كل دين يحقق بجوهره الغايات الروحية بالتكامل والأخلاق. وأراني أزعم أن لا مناص من تتبع الأصل القرآني للتسامح الديني في استخدام مصطلح المسلم في القرآن بملاحظة جوهرية أن مصطلح المسلم في القرآن لا يقابله اليهودي أو المسيحي فلا يقابل المسلم بشروط إسلاميته الصادقة في سلوك الإيمان مقابل اليهودي أو المسيحي وإنما وضع هذا المصطلح في القرآن أي المسلم مقابل المجرم ولا يتعذر على الفاحص أن يرى التسامح القرآني في نظرية التكريم الإلهي للجوهرة الإنسانية في بني آدم ولقد كرمّنا بني آدم، وهي مرجعية لا يمكن أن نفصلها عن الأصول الإبراهيمية الكبرى، ليكون مرتكز التسامح في المساواة في نسب الدين ونسب الإخاء حيث لا تفاضل بيننا إلا بالتقوى «إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم ».


وأبسط آية نسوقها على وجوب التسامح هو نداء القرآن الكريم الذي يربط الناس بمبدأ السلام وهو القاعدة والأصل، وأما الجهاد فهو استثناء وليس من الجهاد القرآني بشيء إكراه الناس على العقيدة. «لا إكراه في الدين» «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين».


وتبدأ نقطة التلاقي على قدسية التسامح في القرآن من مفهوم وحدة الدين، ووحدة الإنسان، ووحدة الأنبياء، والطريق الأمثل لأمة تريد أن تصون أخلاق التسامح هو أن تضمن لذلك تطبيق العدالة من غير هوى، نحن مأمورون بالتزام العدالة مع الآخر بمعزل عن دينه وعرقه «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، والنهج الصحيح لهذا الميزان هو الاحتكام إلى مرجعية العقل بمنهاج رسول اللـه محمد ( ص) وهو الصادق الأمين فما يجري النقاش حاداً بينه وبين خصومه ومعارضيه إلا ودعاهم إلى الاحتكام إلى مرجعية العقل بصريح قوله تعالى: «وإنا اوإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين».
ويستفاد من مناهج الآيات القرآنية دعوتها إلى إنهاء الصراعات، وهي ذروة في التسامح الديني لأن أساس التسامح طلب الحق وانتصار للحقيقة فيما يظهر من دعوة القرآن إلى الكلمة السواء.
ومهما بعدت مسافات الاختلاف في التدين فإن الموقف من الآخر المخالف هو البر والإحسان بصريح قوله تعالى: «لا ينهاكم اللـه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن اللـه يحب المقسطين».

وفي ضوء هذا الاختبار فإن المسافة الفاصلة بين النص القرآني وواقعنا الإسلامي الراهن تستدعي إيقاظ الوعي بتحديات الفتن الراهنة لنواجه ظلمها وظلامها بنور العقل وقوة التسامح المتعالية على شهوات الثأر وغرائز الانتقام.

وها هنا فإن الأمر الواقع يفتح علينا أسئلة التمييز بين الدين وبين مؤسساته، هل المسيحي في إيمانه السلوكي يرتدي الآن ملامح الإنجيل؟ وهل المسلم يطابق فعله ما يقول القرآن عن حرمة الكرامة الإنسانية ووجوب تنقية الذاكرة بأدب العفو والاعتذار وإنهاء منطق التقسيمات الاجتماعية إلى أقلية هنا وأكثرية هناك، ومهما اختلف المسيحيون والمسلمون في مناهجهم التي يلتزمونها في اختلاف الشرائع فهم متفقون جميعاً على وحدة الإنسان ومحوريته في عمارة الأرض «إني جاعل في الأرض خليفة» بإخاء التعاون على البر والتقوى من أجل سلام الأرض ورباط الإخاء مجدول بنسيج التسامح وبه نمسح الآن ذلك الغبار الذي رماه التاريخ السيئ على الأديان، أو رمته تلك القراءات الناقصة أو التأويلات الغامضة لنصوص تحتمل المعنى ونقيضه في آن، وما استكن التسامح في الثقافة المسيحية – الإسلامية إلا على فلسفة أخلاقية توحد رؤيتنا للعالم وتفسيرنا لمعنى إنسانية الإنسان حيث لا بديل عن التسامح الديني والسياسي إلا أن يذهب العالم برمته إلى كارثة لا تبقي ولا تذر.

الشيخ حسين أحمد شحادة
المصدر:
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=100743

الطالب جمال علوش

عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى