دور الدين في المجتمع الإنساني

اذهب الى الأسفل

دور الدين في المجتمع الإنساني

مُساهمة  الطالب محمد جنوب في الجمعة مايو 27, 2011 4:53 pm

الربوبية وتعزيز الرابطة الإنسانية

لعل قيمة الدين في الاجتماع الإنساني، أنه يوفر للإنسان القاعدة الفكرية التي تستند الظواهر الكونية والإنسانية فيها إلى القوة الإلهية الخالقة القادرة والحكيمة التي ركزت الوجود في كل تفاصيله على أسس ثابتة في قوانينها، متوازنة في حركتها، مما يسمّى بالسنن الإلهية، فالله هو رب الوجود كله، الذي يتطلع إليه الإنسان في كل أوضاعه، ليمنحه القوّة في مواطن الضعف، وليرعاه في كل أموره، فلا يحس بالضياع، ولا يشعر بالقلق أمام الكون في علاقته بحركته ووجوده، لأنه يرتبط به في وحدة النظام العام، وفي صفة المخلوقية للخالق والعبودية للرب، والخضوع لكل تدابيره، وبهذا يمتد الإحساس بهذه الوحدة إلى داخل المجتمع الإنساني الذي يعيش كل أفراده في نطاق الرابطة الإنسانية التي تجمع كل تنوّعاتهم في وحدة داخلية في إنسانيتهم التي يلتقون عليها، وفي دورهم الذي يتكاملون فيه، ولذلك فلا يمثل التنوع تبايناً، بل يمثل تكاملاً في الخصوصيات، بحيث ينضم بعضها إلى البعض الآخر من أجل إنتاج القضايا الكلية في مسار الإنسان، وهذا هو الذي عبر عنه القرآن الكريم في تأكيده على وحدة عنصر الخلق وتنوّع خصائص الإنسان: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..﴾ [سورة الحجرات، آية 13]. فالتنوع هو الوسيلة الفضلى للتعارف، باعتبار انجذاب الإنسان إلى الإنسان الآخر في حاجاته إليه، من خلال ما يملكه من طاقات فاعلة تؤثر في حياة الإنسان الآخر إيجاباً، فيدفعه ذلك إلى إيجاد العلاقة به من أجل الحصول على ما لديه من هذه الحاجات.

وإذا كان الإسلام يركّز على العلاقة الإنسانية في دائرة التعارف الحيوي في الحاجات، فإنه يثير الجانب الحركي في هذه العلاقة، ليدعو المؤمنين والمؤمنات إلى التعاون على البر والتقوى بحيث يتكامل الجميع في تحقيق هذين العنوانين الكبيرين في الواقع، اللذين يمثلان الخير كله في علاقة الإنسان بالإنسان، وفي المفاهيم الأصيلة في الإيمان والعدل والتكافل الاجتماعي، والمراقبة المنفتحة على الله في دائرة السلوك الفردي والاجتماعي للإنسان على أساس الضوابط الروحية والعملية، وليبعدهم عن التعاون على الإثم والعدوان اللذين يمثلان الشرّ في نطاقه الفكري والحركي، وقهر الإنسان الآخر في كل أبعاده وأوضاعه.

ويمتدّ الفكر الإسلامي ليرى في العدل قيمة إنسانية ترتكز عليها النبوّات في كلِّ خطوطها وامتداداتها وتشريعاتها وتطبيقاتها، فيقرر أن قضية الدين هي قضية عدل، فلا دين بلا عدل، في جميع تطلّعات الإنسان وقضاياه، حتى أنَّ العدل لا يقف عند المسلم، بل يلتقي بالمسلم والكافر معاً، فلا يجوز للمسلم أن يظلم الكافر مهما كانت درجة كفره، وعلى الحاكم المسلم أن يحمي الكافر من ظلم المسلم.

وهكذا نجد الإسلام يؤكّد على رفض الركون إلى الظالم، والسكوت على فعل المنكر وترك المعروف، ما يجعل للرقابة الاجتماعية دوراً إلى جانب الرقابة الرسمية.

ولا نريد أن نثير كل العناوين الإسلامية في التفكير والتشريع الإسلاميين، وهي التي ترتكز على سلامة المجتمع الإسلامي في عملية توجيه وتنفيذ وانفتاح وانضباط وتوازن.. ولكننا نريد الإشارة - من خلال بعض المفردات - إلى أن الدين، في طبيعته الروحية والعقائدية - يملك العناصر التي تترك تأثيرها الإيجابي في الاجتماع الإنساني إيجاباً.

والدين - في بُعده الإيماني - ينفتح على عالم آخر، وهو عالم الحياة والموت، فلا يضيق الإنسان ذرعاً بالمشاكل الصعبة في حياته، ولا يتعقد من أيّة حالة سلبية ذاتية بفعل ما يقدمه للآخرين من المؤاساة والمساعدة حتى الإيثار، لأن ذلك يختزن في مستقبل الدنيا، تارة، وفي مستقبل الآخرة، تارة أخرى، نوعاً من التعويض الإلهي بما يوفره للمؤمن من النعم الوافرة في الحياة، ومن الثواب الجزيل بعد الموت، ما يبتعد به عن كل المشاعر المضادَّة أمام تحديات الواقع، لأن الواقع ليس كل شيء في الطموح الذاتي، ولأن الحياة، في مسؤوليته الإيمانية، تمثل حركة القيم والأهداف الكبرى التي يعمل على تحقيقها من خلال عمق المعاناة النفسية والعملية. ولذلك، فإنه يمكن أن يتحسس السعادة في وجدانه، وهو في قلب الألم، ويرتاح للواقع في سلبياته، كما يرتاح له في إيجابياته، لأن المسألة، في حساباته، ليست مسألة الذات، بل مسألة القيمة، فهي التي تؤكد إنسانيته في أعماق المعاناة، ولعل من الطبيعي أن يوفر ذلك كله نوعاً من أنواع الراحة النفسية للإنسان الفرد في حياته الخاصة، والإنسان المجتمع في حياته الاجتماعية، بحيث ينفتح على الواقع القيمي بكل راحة وطمأنينة، فلا يتعقد من الواقع، بل يبقى في مصالحة معه على مستوى الإحساس وعلى مستوى النتائج.

وهناك جانب آخر، مهمٌ في الدين، وهو هذا السموّ الروحي الذي ينطلق بالإنسان إلى آفاق الله، خالقه وخالق الكون، ليتعبد له في إحساس الخضوع لربوبيته، في حالة وجدانية يمتزج فيها الرجاء من خلال النعمة بالخوف من خلال العظمة. فهو في المفردات العبادية الرب الرحمن الرحيم الكريم المنعم المتفضل المحسن، وهو مع ذلك القوي القادر القاهر فوق عباده، المتجبر الذي يُطلّ جبروته في سرّ عظمته وقدرته على الوجود كله، وهو الحكيم الخبير الذي يتصرف بالكون والإنسان من خلال الأسرار العميقة التي تضع لكل شيء قانوناً، وهذا هو الذي يجعل الإنسان واثقاً بالتوازن في حركة الوجود في داخله ومن حوله، لأن الرعاية الإلهية في مواقع الرحمة، والقدرة الربانية في مواقع القوة، توحيان إليه بالأمن الذي قد يعرفه الإنسان في أوضاع الفوضى التي لا تخضع لقاعدة ولا تقف عند حدّ.

وهكذا يقف الإنسان المؤمن أمام كل المتغيرات والهزات الواقعية في هدوء عقليّ وشعوريّ وطمأنينة نفسية، لأن كل شيء خاضع للتخطيط الإلهي ﴿إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [سورة القمر، آية 49]. ﴿إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدراً﴾ [سورة الطلاق، آية 3]. وبذلك فإن المجتمع الإنساني لا يشعر بالإحباط والسقوط وانعدام الوزن أمام أية تقلبات وتحولات، لأنها ليست جنوناً في حركة الحياة، بل هي حركة عاقلة في دائرة سنن الله في الكون والإنسان، بحيث يمكن للاجتماع الإنساني أن يراقبها ويرافقها ضمن وعيٍ لأوضاعها ودلالاتها وقدرةٍ على التعامل معها بواقعيةٍ واتزان.

المصدر:
http://arabic.bayynat.org.lb/kadaya/douraldein.htm

الطالب محمد جنوب

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

معالجة التوازن بين الفرد والمجتمع

مُساهمة  الطالب محمد جنوب في الجمعة مايو 27, 2011 4:54 pm

والدين - بعد ذلك - هو الحالة العقيدية الوجدانية التي تقيم التوازن بين الفرد والمجتمع من خلال نظام القيم والمعايير، وتؤكدها في وجدان الإنسان لتمتد إلى صعيد الواقع، فيشعر الفرد بأن عليه أن يقدم من نفسه ومن حريته شيئاً للآخر في حاجاته الحيوية وفي قضاياه الخاصة والعامة، ويرى أنه يحمل مسؤولية طاقته، باعتبارها جزءاً من طاقة المجتمع التي اؤتمن عليها من قبل الله، فلا بد له من أن يقدّمها له، ويحرّكها في مصالحه، سواء كانت مالاً أو علماً أو قوةً أو أيّ شيء آخر، ولا يستغلها لحسابه الخاص، وإلاّ كان سارقاً وغاصباً ومعتدياً على الشأن العام، لأن المجتمع ليس وجوداً متميزاً في الواقع بشخصه، بل هو وجود الأفراد الذين يعيشون في ظل الرابطة الاجتماعية التي تتمثل بالتزام الإنسان بالآخر، ما يجعل من طاقة الفرد طاقة للمجتمع بالمقدار الذي يمثل حاجة المجتمع.

وهكذا تتسع مسؤولية الفرد، لتشمل القيام بمهمة حماية السلم الاجتماعي من نفسه ومن غيره، وهذا هو الذي يؤكده معنى جهاد النفس في الامتناع عن ظلم الآخر، وفي جهاد العدو لمنعه من ظلم المجتمع، بحيث يصل الأمر به إلى درجة التضحية بالنفس من أجل الآخر كواجب ديني حاسم.

إن القضية هي أن الدين، وفي جانبه الأخلاقي والتشريعي، يحمّل الإنسان الفرد مسؤولية ما يحمله في داخله من عناصر القدرة على حماية المجتمع، لأنّ الشأن الخاص لا بد من أن يتحرك لحساب الشأن العام في ميزان القيمة.

ولا بد للمجتمع - في التخطيط المدني - من أن لا يقهر الفرد في ذاتياته وحاجاته الخاصة إذا لم تنحرف عن الخط المستقيم، فليس له سلطة عليه إلا في نطاق النظام العام. ومن هنا، يؤكد الدين ضرورة وجود الحرية الفردية، فلا سلطة لإنسان على إنسان، ولا لقوة اجتماعية على حالة فردية، إلا في نطاق القانون الذي يحدد للجميع الحقوق الفردية والاجتماعية، مما يدخل في حساب توزيع الوظائف والمسؤوليات التي لا حقَّ لأيّ إنسان أن يتجاوزه ليتدخل في شؤون الإنسان الآخر، فلا مجال للتمرّد والعدوان والانحراف، لأن النوازع الذاتية الخاصة لا حرية لها - من جميع الجهات - في الإساءة إلى الواقع الفردي للإنسان الآخر أو للمجتمع كله، فإذا تجاوزته كانت مسؤولةً أمام الله في الدنيا والآخرة لتواجه الحساب الدقيق والعقاب الصارم، بالإضافة إلى مسؤوليتها في الدنيا في دائرة النظام العام للمجتمع في قيادته العامة.

إنَّ الدين يضع الضوابط الاجتماعية التي تعمل على إدارة الأمر بطريقة إنسانية واقعية، بحيث تندفع إلى معالجة المشاكل الطارئة في نطاق الفرد والمجتمع، ليبقى التوازن العام في حركة القيم التي يختزنها الجميع في معنى الإيمان ويتحركون من خلالها في معنى المسؤولية، فيلتقي الوازع الداخلي بالوازع الخارجي في إقامة القاعدة العامة الضابطة للواقع كله في حدود الإمكانات الواقعية للانضباط الإنساني.

إنَّ للدِّين نوعاً من التركيز على وعي الإنسان لنفسه في تاريخ الوجود منذ بداية خلقه، فليس - هو - شيئاً ضائعاً حائراً في ضبابية وجوده، بل هو وجود يملك تاريخاً ممتداً في الماضي، فهو جزء من مسيرة إنسانية كبرى تؤثر فيه وتصنع له ذاكرة تاريخية تحدّد له إرثه الإنساني منها، وهو - بعد ذلك - يصنع تاريخاً جديداً من خلال جهده، عن طريق المستقبل الذي يصنع قاعدته وجذوره وأبعاده وامتداداته في مسؤوليته عن صنع التاريخ الجديد للحياة في الثقافة والسياسة والاقتصاد والحركة الواقعية على مستوى الأهداف والتطلعات.

وعلى ضوء هذا، فإن الدين يحدّد للإنسان وظائفه الفكرية والعملية، بحيث يستشعر بأنه جزء من النظام الكوني في وجوده الذي يقف بحساب ويتحرك بحساب في وعي لنفسه ولغيره وللحياة من حوله، وفي الترابط الوجودي بالإنسان الآخر في القضايا التي تتوقف عليها المسؤوليات الاجتماعية.

وبذلك، فلا يبدو الاجتماع الإنساني في هذا الخط شيئاً حائراً ضائعاً في فكر التجريد، بل يتحوَّل إلى كائنٍ حيّ متفاعل مترابط مفتوحٍ على مسؤولية الإنسان في وظيفته الاجتماعية في صنع التاريخ، وفي إدارة الحياة في عملية انفتاح وتكامل والتزام.

ومن خلال هذا العرض، نخرج بنتيجة عملية، وهي شمولية الدور الديني الفاعل في الاجتماع الإنساني، لجميع نواحي الحياة في النشاط الإنساني، في السياسة والاقتصاد والاجتماع من ناحية علاقة هذه العناوين بالقيم الروحية والأخلاقية والمعايير الإنسانية والوظائف الاجتماعية، باعتبار أن الإيمان بالله في وعي الإنسان لمسؤوليته أمامه، يمتد في حياة الإنسان في علاقته بنفسه وبالآخرين في مختلف القضايا الحيوية، وهذا ما نلاحظه في بعض الأدعية المأثورة التي يطلب المؤمن فيها من ربه أن يقيه معصية ظلم الآخر بنفس القوة التي يطلب فيها أن يقيه من ظلم الآخر له: «اللهم فكما كرّهت لي أن أُظْلَم فقني أن أَظلِم»، ما يوحي بأن الإحساس الديني ينفتح على الآخر في كل القضايا الحيوية المتصلة بسلوكه معه، من موقع خوفه من الله ومحبته ومسؤوليته أمامه، فليست المسألة في ابتعاده عن الانحراف مسألة مصلحة شخصية أو حالة طارئة، بل هي مسألة ضمير ديني يتغذى من القيم التي تجعل من سلامة علاقته بالآخر وسيلةً من وسائل سلامة مصيره عند الله، لتكون في مستوى الأهمية الكبرى في حركة وجوده.

ويبقى للحرية الفردية والاجتماعية في المسألة الدينية دورها الفاعل في الاجتماع الإنساني، من خلال المبدأ الديني الإنساني الذي يؤكد أن لا سلطة لإنسان على إنسان إلا من خلال الحقوق، التي قررها الله للإنسان في علاقته بالإنسان الآخر، أو من خلال التزامات الإنسان المقطوعة على نفسه بما يشبه التعاقد مما يلزم به نفسه مع الله أو الإنسان الآخر، بحيث يخضع الفرد والمجتمع لقاعدة عقيدية للواقع كله، تؤكد أن للفرد حقاً على الفرد والمجتمع، وأن للمجتمع حقاً على الفرد في كل القضايا الحيوية التي تنتظم فيها الأوضاع الفردية والاجتماعية في الحقوق أو الواجبات، بحيث لا يتحرك الواقع من حالة اهتزاز، بل من حالة ثباتٍ والتزام. هذه هي الإيجابيات في الفاعلية الدينية.

في المقابل، ولاستكمال الصورة، نتوقف عند بعض ما يثار من سلبيات حول وظيفة الدين:

قد يقال إن الدين - في نظامه الثابت - الذي يحرسه أصحاب الحظوظ والامتيازات قد يتحوّل إلى عامل محافظ على الوضع الراهن، بحيث يمنع قوى الاحتجاج من أن تتطور وتصبح من قوى التغيير الاجتماعية من خلال تجميدها للواقع، فلا يملك المحرومون حرية الحركة وفاعلية الاحتجاج اللتين تطوران وتنضجان عملية الوعي الحركي الذي يطلق الطاقات ويدفع إلى التغيير.

ولكن هذا الأمر ليس دقيقاً، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما في داخل الوظيفة الدينية للمؤمن، والتي تمثل التزاماً دينياً لازماً للفرد والمجتمع، بحيث يعتبر إهماله معصية «دينية»، كما هي المعصية الأخرى في إهمال الواجبات العبادية، ما يجعل من المسألة الاجتماعية في تصحيح الفاسد وتقويم المنحرف، وردع الظلم، وإسقاط الاستكبار، مسألة دينية حيوية في الالتزام والواقع.

إن التعليم الديني يقف بقوة ليوجه المؤمن إلى أن يعيش في هاجس الملاحقة لكل تفاصيل الواقع ومفرداته، بحيث يعيش في جوّ القلق الإيجابي تجاه القضايا الكبرى في حركتها في القضايا الجزئية، ليرصد الضعف هنا والقوّة هناك، والانحراف في هذا الجانب، والاستقامة في ذلك، ما يجعل من هذا الإنسان الفرد والمجتمع إنساناً يواكب عملياً جنينية الاحتجاج وحركية الثورة، ما يؤدي إلى إنضاج قوى التغيير وتطويرها دينياً في طريق إنضاجها اجتماعياً.

إن الدين قد يكون ثابتاً في خطوطه العقيدية والشرعية، ولكنه متحرك في فاعليته الاجتماعية على مستوى واقع التطبيق العملي في الاستقامة والانحراف، فهو يدعو إلى التغيير الداخلي للوصول إلى التغيير الخارجي، بحيث يدفع الإنسان إلى ثورة وتغيير للداخل الذي يتمثل في فكره وخطه العملي، ويدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حركة الواقع الخارجي، كما في قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [سورة آل عمران، آية 104]. وقد جاء في آية أخرى أن هاتين النقطتين تمثلان أساس القيمة في الأمة: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [سورة آل عمران، آية 110].

وعلى ضوء ذلك، فلا يمكن أن تصدق القيمة الماركسية حول الدين كأفيون للشعوب، وكمجموعةٍ من المنظومات القيميَّة التي تمنع الصراع البنّاء وتقوم بإحباط التجديد والثورة، لأننا نرى أن الدين يمثل عنصراً حركياً فاعلاً في الثورة على الظلم في الداخل، وعلى الاستكبار في الخارج، كقضية عميقة الصلة بالالتزام الديني، حتى أن القيمة الدينية ترى في الحياد بين العدل والظلم، وبين المستكبرين والمستضعفين، قيمة سلبية، فالساكت عن الحق هو شيطان أخرس، وترى في الالتزام بقضايا الحق والعدل قيمة إيجابية: «كن للظالم خصماً وللمظلومين عوناً..».

الطالب محمد جنوب

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفكر بين الدين والسلطة

مُساهمة  الطالب محمد جنوب في الجمعة مايو 27, 2011 4:55 pm

أما مقولة: «أن السلطات الدينية تنـزع إلى تقديس الآراء الظرفية والمواقف المحلية واحترام التصورات والمواقف الآنية إلى حدّ الوقوف في وجه أيّ تطور في مجال المعرفة بصفة عامة، ما يؤدّي بالظاهرة الدينية إلى التصدي لعمليات التحوّل الكبرى في إطار معرفة المناخ والتحكم في الطبيعة، فالصراع الطويل بين الدين والعلم، الذي وجد في محاكمة غاليليو، أبرز رمز من أجل الرأي المحرَّم القائل بدوران الأرض حول الشمس، يشكّل مثالاً نموذجياً لهذا النوع من اللاوظيفية»، فإننا نرى جواباً عليها ما يلي:

أ - إن الخصوصية لا تكمن في السلطات الدينية، بل تمتد إلى كل سلطة متخلفة خاضعة لبعض الأفكار والقيم الخاصة ومتعصبة لها، بحيث ترى فيها نوعاً من أنواع القداسة الشخصية أو الحزبية، تماماً كما هي القداسة الدينية، فيدفعها ذلك إلى اضطهاد كل الأفكار المضادة، باعتبار أنها تخالف الحقيقة. وقد لاحظنا كيف سارت عملية اضطهاد الحرية الفكرية والعملية في المدى التاريخي الماضي والحاضر في المجتمعات والأنظمة العلمانية.

ب - إن الدين الإسلامي يحترم العلم في حركته المتطورة، لأنه لا يتبنى في تراثه المقدس أية نظرية علمية تتصل بالقضايا الكونية والحياتية. وإذا كان يختلف مع بعض النظريات العلمية كنظرية داروين، فإنه لا يعمل على قمع القائلين بها، بل على مناقشتهم في نظريتهم، باعتبار أنها لا تمثل الحقيقة العلمية، حتى أننا نرى بعض المفكرين الإسلاميين يؤكدون أن النظرية لا تصطدم بالعقيدة الدينية من حيث الخطوط العامة للإيمان، بل تصطدم بالحقيقة التاريخية الدينية في خلق الإنسان.

وقد أراد الإسلام للإنسان أن يغني ثقافته العلمية في أسرار الكون وسننه التي أودعها الله فيه، واعتبر التفكير فريضة إسلامية، كما فضَّل تفكير ساعة على عبادة سنة، ورأى أن العلم هو القيمة التي يرتكز عليها التفاضل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [سورة الزمر، آية 9]. وأن الإيمان يمر بطريق العلم، وأن مشكلة الكفر هي مشكلة جهل، وتحدث، بمنطق القيمة الإيجابية، عن الذين يتفكرون في آفاق السموات والأرض بالدرجة التي يعرفون فيها أسرارها بطريقة عملية ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتين لهم أنه الحق﴾ [سورة فصلت، آية 53].

وهكذا نجد الإسلام يتحرك في خط الفكر والعلم، ما يجعله حركة دائمة في اتجاه اكتشاف أسرار الكون والحياة والإنسان.. وفي ضوء ذلك، لا بد له من تشجيع أي اكتشاف جديد يلغي الاكتشاف السابق من خلال ظهور الخطأ فيه، لأن المطلوب عنده هو معرفة الحقيقة الكونية الدالة على الله، فلا قدسية لأية فكرةٍ علمية إلا بمقدار ما تمثّل الحقيقة.

وإذا كانت بعض السلطات تلتزم فكراً معيناً، أو رأياً خاصاً لتضطهد الذين يخالفونها فيه بفعل القوة المهيمنة الظالمة، فإن الإسلام لا يتحمل وزر ذلك، لأنه لا يوحي بذلك من حيث أسسه الإيمانية والفكرية، وهو - في أكثر من واقع إنساني - لا يقتصر على الدين، بل يمتد إلى كل حالة استكبارية تضغط على العلماء والمفكرين والأحرار الذين يخالفونها في الرأي، سواء كان علمياً أو دينياً أو سياسياً، وليس الدين هو الذي يجمّد حركية الفعل، بل هو الاستكبار السلطوي في نظرته التقديسية إلى أوضاعه الفكرية والعلمية والسياسية وغيرها.

وربما يأخذ البعض على الانتماء الديني أنه «قد يتناقض مع تكوين هويات أخرى ضرورية قد تقتضيها الوضعيات الجديدة التي يجد الناس فيها أنفسهم، ذلك أن التركيبة المجتمعية لا تقوم بالضرورة على هوية دينية، وهي إذا كانت في مجتمع ما، ففي وسعها أن تقوم على هوية أثنية أو عرقية أو ثقافية في مجتمع آخر، وقد يصبح الانتماء الديني عامل تقسيم وتشرذم، خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الأديان، وفي ظروف اجتماعية وتاريخية محددة، بل إنه قد يؤدي إلى صراعات أهلية خطيرة تهدد وحدة المجتمع الواحد ككيان حضاري وسياسي.

ونلاحظ على هذه المقولة، أن الانتماء الديني، في مفهوم الإسلام، لا يتناقض مع تكوين هويات أخرى، إذا لم تتناقض في مضمونها الفكري والتزامها العملي مع الدين بل إن الدين يؤكد للإنسان هويته المجتمعية في نطاق الشعب أو القبيلة، وهذا هو قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ [سورة الحجرات، آية 13]. فليست هناك أية مناقضة بين الهوية العربية للإنسان والهوية الإسلامية، كما هي الهوية القبلية والهوية الوطنية، لأن الهويات النسبية والجغرافية ونحوها تمثل دوائر متداخلة بالهوية الدينية.

أما الحديث عن أن الانتماء الديني قد يصبح عامل تقسيم وتشرذم، وسبباً لصراعات أهلية خطيرة تهدد وحدة المجتمع، فنسجّل على ذلك أولاً: أن المسألة في التقسيم والتشرذم والصراعات الأهلية الخطيرة، ليست مسألة الخصوصية الدينية في الانتماء، بل هي مسألة العصبية في الإحساس الضيق بالانتماء، مما قد يتمثل بالدين أو بالعرق أو بالقومية أو الحزبية أو العائلية، وهذا هو ما تفسره الحروب والنزاعات المتنوعة في هذه الخصوصيات الإنسانية.

ثانياً: إن الأخلاق الدينية القائمة على أساس العنصر الإنساني في أجواء القيم تخفف الكثير من العصبية، لتحوِّل الإنسان المتدين إلى إنسان منفتح ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [سورة آل عمران، آية 64]. فإن إيحاءات هذه الآية تؤكد مسألة الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس الأرض المشتركة.

ومن كلمة الإمام علي (ع): «فإن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، فإننا نجد فيها لفتة إنسانية في التزام الإحساس الإنساني في العلاقة مع الآخر.

ثالثاً: إن الإسلام في اعترافه بأهل الكتاب قد استطاع أن يؤكد التجربة الإنسانية في تأسيس المجتمع المتنوع الذي يعيش فيه النصارى واليهود جنباً إلى جنب مع المسلمين، من دون أية خطوة سلبية ضدهم من قِبَل المسلمين، وهذا ما نلاحظه في الوجود «الكتابي» في مدى السنين التي حكم فيها الإسلام بلداناً ذات مجتمعات متنوعة دينياً، وإذا كانت قد حدثت هناك بعض المشاكل في هذه الدائرة فإنها لا تختلف عن المشاكل في الدائرة الإسلامية في خصوصياتها وتنوعاتها الذاتية أو في الدائرة، النصرانية أو اليهودية. ولو درسنا مثل هذه الصراعات الحادة، لرأينا أنها - في غالبيتها - ترجع إلى عوامل سياسية أو عرقية لا علاقة لها بالدين من قريب أو من بعيد.

الطالب محمد جنوب

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الثابت والمتغير في الدين

مُساهمة  الطالب محمد جنوب في الجمعة مايو 27, 2011 4:56 pm

ربما يثار سؤال عن الدين: هل يطال تفاصيل الاجتماع الإنساني، بحيث يضع لكل مفردة من مفردات الحياة حكماً أو عنواناً تفصيلياً يحدد فيها للإنسان طبيعة التحرك الجزئي فيها، أم أنه عبارة عن قواعد وعناوين كلية تتحرك وتتبدل بتغير الأزمنة والأحوال؟

والجواب، أن الخطوط الدينية قد تختلف في هذه المقاربة، فقد نجد هناك أحكاماً تفصيلية تتصل بالأفعال الإنسانية في الواجبات والمحرّمات، لتلزم الإنسان بالفعل أو الترك في عناوين محددة مما لا مجال لتجاوزها حتى مع تغير الزمان والمكان والأحوال، إلا في الأوضاع التي يسقط فيها اختيار الإنسان وإرادته عن الفعل أو الترك بفعل الضغوط الخارجية المؤثرة في هذا أو ذاك.. وربما تنطلق هذه المسألة من ثبات المصالح والمفاسد التي يختزنها الفعل في عناصره الذاتية التي لا علاقة فيها للطوارىء الخارجية السلبية والإيجابية. وقد نجد هناك عناوين عامة متحركة في الواقع، بحيث يمكن له أن يجعلها واقعية هنا وغير واقعية هناك، بلحاظ ما يحيط بها من عناصر وعوامل وأوضاع، كما في عنوان الضرر والحرج وقضايا الحرية والعدل والظلم، مما لا بد فيه للفقيه من ملاحقة الواقع في تطبيق هذا العنوان على هذا الموضوع أو ذاك الموضوع، فقد يكون الشيء عدلاً في وقت لثبوت الحق الذي يراد إعطاؤه لهذا الشخص، وقد يكون ظلماً في وقت لانتفاء الحق فلا يبقى موضوعاً للعدل.

ومن الطبيعي أن تمييز ذلك وتطبيقه يحتاجان إلى الفقيه في دراسته للخط الفقهي مقارناً بالواقع، مما يمكن للاجتهادات أن تختلف فيه، ومما يمكن للزمان والمكان أن يتدخلا فيه.

وإذا كانت الاختلافات التقويمية في الاجتهادات التطبيقية قد توجد بعض السلبيات، فإن إيجابيات التعددية الفقهية قد تمنح الساحة الكثير من الحيوية التي قد يكتشف الناس في تنوعاتها أكثر من عنصر حيٍّ فاعل في الواقع الإنساني كله.

إن النص قد يكون محدوداً في المعنى، ولكنه قد يحمل الكثير من الإيحاءات التي تعطي الحركية الحية في حركة المعنى في الواقع.

إن الممارسة الدينية في تنوّع التصور الإنساني للدين وانفتاحه عليه، قد تحمل بعض السلبيات الناتجة من الخطأ في التصور، أو الانحراف في الحركة أو التخلف في الوعي، أو التعصب في الانتماء، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج سلبية في غير صالح المجتمع، ولعل هذا هو السبب في المشاكل المعقدة التي عاشت في الماضي والحاضر في الخلافات الطائفية، والحروب الدينية، والحساسيات المذهبية، والناس الذين عاشوا في هذا الواقع لم يأخذوا بالرحابة الدينية في آفاق القيم الروحية والأخلاقية، بل أخذوا بالدوائر الضيقة التي تحبس الفكر في زنزانة الجهل وتحاصر الروح في زوايا التخلف.

ولا بد من الخروج من ذلك، بالعمل على رفع مستوى الوعي الديني في ذهنية المتدينين، وتوضيح القيم الدينية في أصولها وفروعها في الأبحاث والوصايا والمواعظ في الخطاب الديني، وملاحقة كل عناصر التخلف في الواقع المألوف، لأن المشاكل الناتجة من التخلف والجهل لا يمكن معالجتها بعيداً عن ذلك، باعتبار أن الحلول الناجمة لأية مشكلة لا بد فيها من مواجهة كل عناصر المشكلة وجذورها للسيطرة على سلبيات السطح.

إنها مهمة الفقهاء في الأفق الواسع الذي ينفتحون فيه على الفقه في أبعاده الإنسانية، ومهمة المفكرين والمرشدين والواعظين في تحريك الفكرة والحكمة والجو نحو دين منفتح على الآخر بدلاً من الانغلاق عليه.

وختاماً، إن قضية الدين في الوعي الإنساني تتمثل بالحاجة الطبيعية إلى الخروج من الجمود المادي الذي يحاصر الفكر ويجمّد الروح ويبتعد بالإنسان عن التحليق في الآفاق الواسعة للفكر والإنسان والحياة، لأن الإيمان بالله يفتح فكر الإنسان على المطلق، ويدفع به إلى التزام القيم الروحية والأخلاقية في بعدها الإنساني الواسع، ويقف به على قاعدة متينة ثابتة لا تهتز أمام انفعالات الغريزة، ولا تسقط أمام ضغوط الواقع، لأنها تحدّق بالله الذي يرعى الإنسان في امتداد وجوده كما رعاه في بدايته، وفي هذه الرحابة الروحية المنطلقة إلى الأبعد من مادية الحسّ، يمكن للفرد أن يضحي للمجتمع بذاتياته، وللمجتمع أن يرعى الفرد في حاجاته من مواقع الالتزام لا من مواقع الحالات الطارئة.. ولعل التجارب التي عرفتها الإنسانية في الاجتماع الديني في مرحلة قوّة القيمة، وصلابة الالتزام، توحي بالخير الكثير وبالضرورة الملحة للعمل في سبيل ذلك.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله ، المنطلق العدد 118، 1997م - 1417 هـ


http://arabic.bayynat.org.lb/kadaya/douraldein.htm

الطالب محمد جنوب

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى