دور الموسيقى في تهذيب النفس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دور الموسيقى في تهذيب النفس

مُساهمة  الطالب نوار حسين في السبت مايو 28, 2011 5:40 pm

فلما كان فن الموسيقى يعتبر كعلم قانوني في أكثر البلدان وقد عُلم من الاختبار أن لا شيء يُلين القلب ويهذّب العقل نظير كان لابد من الالتفات إليه ولأحذ في دراسته والغوص في بحوره لإظهاره في وجهه الحقيقي، إذ أن ليس في اللغة العربية مصنفا حقيقية لضبط حالها بطريقة قياسية وجزمية لأثرها والتأثر بها على وجه العموم.

ومن ذلك كان لابد من الأخذ بالرأي الأغلب لجمهور العلماء في الأثر والتأثر بالموسيقى ونسبية تحكيمها فيما إذا كانت تساهم في تزكيه النفس وترقيتها والسمو بها إلى العالم الملائكي أو إلى غيره.

وببدء بادئ لا يمكننا الخوض في هذا الأمر إلا إذا تحققت لدينا التعاريف الأقرب لماهية الموسيقى على اختلافها فمن هذه التعاريف:

يقول جميل بشير أحد أعمدة التجديد في عالم الموسيقى التربوية بالعراق : الموسيقى هي فن تأليف الأصوات المطربة للسمع الملائمة للذوق السليم ذات الأثر الفعال في تنمية الأخلاق السامية، وتكون إما آلية مصدرها الآلات الموسيقية وإما غنائية مصدرها الحنجرة.

ويقول جبران خليل جبران : الموسيقى هي ابنة الملامح الصامتة ووليدة العواطف الكاشفة عن نفسية الإنسان الواعي لحقيقة ما، كما هي لغة النفوس تطرق باب المشاعر وتنبه الذاكرة، فهي ليست لغة العواطف فحسب بل لغة الفكر والفهم أيضا، تسمو بسمو الإنسان وترقى برقيه، ويسهب الكاتب في الحديث عن الموسيقى فيقول : وكأن في الموسيقى ما يساعد على تغيير الإنسان من حال إلى حال.

وكأن ما يشخصه جبران في الموسيقى يدعمه لودفيك فان بتهوفن بقوله : وتعد الموسيقى لسان جميع أمم الأرض وهي ظاهرة من ظواهر النشاط الإنساني تربط حياة الحس بحياة الروح بل يذهب إلى أبعد الحدود فيعتبر أن الموسيقى وَحْيٌ يعلو على كل الحِكم و الفلسفات.

ويقول أفلاطون إن الموسيقى أرفع الفنون وأرقاها لأنها تؤثر تأثيرا مباشرا في النفس الباطنة ووسيلة لتحقيق التطهير الروحي وتحرير النفس من ارتباطها بالجسد، بما ينعكس إيجابا على أعضاء الجسم وأجهزته.
يؤكد حكيم الهند القديم كونفوشيوس على مدى أهمية الموسيقى فيقول : إذا أرت أن تتعرف في بلد ما على إرادته ومبلغ حظه من الحضارة والمدنية، فاستمع إلى موسيقاه.

ويقول بور تنوري (1974): أن الموسيقى تتحدث عن الشيء في ذات الإنسان.

وذهب ماريني (1993) إلى القول بأن: الموسيقى هي صورة حياتنا الباطنية، وإذا كان الكلام لغة العقل فالموسيقى لغة الشعور والوجدان.


تأثير الموسيقى :

1- التأثير المادي :
لقد أثبت العلم الحديث أن ذبذبات الموسيقى تؤثر تأثيرا مباشرا على الجهاز العصبي، إذ يمكن لكل ذبذبة أو أكثر أن تؤثر على جزء ما بالمخ، خاص بعصب ما، فتخدره بالقدر الذي يتيح له فرصة الاسترخاء، واستجماع الإرادة، للتغلب على مسببات الألم، فيبدأ الجسم في تنشيط المضادات الطبيعية والإفرازات الداخلية التي تساعد الجهاز المناعي وغيره على التغلب على مصدر الداء ومكانه.

وبدأ الفيزيولوجيون بدراسة التأثيرات الفيزيولوجية والفيزيائية التي نحصل عليها من مجموعة التغيرات الكيميائية في الدماغ ليس فقط في قسم التفكير، بل في الجهة المسؤولة عن التنفس، والقسم المسؤول عن السيطرة على دقات القلب. وأثبت العلم الحديث: أن الموسيقى تجعل الدماغ ينتج مواد كيميائية تسمى الأندروفين تفرز من الجهاز البصري في الدماغ هيبوثلاميس وهذه تخفض الكثافة في الدماغ التي تشعِر بالألم.

أما الحقيقة التي أعلنها فريق من علماء جامعة "أوهايو الأمريكية " هي أن العدائين يبذلون جهدا أقل أثناء العدو إذا مارسوا تلك الرياضة على أنغام الموسيقى... حيث وضع العلماء "سماعات" تنقل الموسيقى لآذان عدد ممن أجريت عليهم التجارب، بينما مارس البعض الآخر الرياضة بدون موسيقا. وكانت النتائج واضحة، وتشير إلى أن الغدد النخامية للعدائين أثناء سماع الموسيقى، كانت تفرز كمية أكبر من مادة اسمها الاندورفين وهي مادة تفرزها مراكز معينة في المخ عند بذل جهدا كبيرا، أو الشعور بألم، الأمر الذي يشير إلى أن إحساسهم بالتعب أثناء الجري، كان أقل من الفريق الثاني الذي لم يستمع إلى الموسيقى أثناء ممارسته للجري.

ومن حياة العرب اليومية، تؤكد بعض الروايات التي وردت في (كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الشيخ أبي حامد الغزالي والعقد الفريد للفقيه الأديب ابن عبد ربه الأندلسي) تؤكد على أن الأحياء تغير نمط حركتها بحسب تغيير الإيقاع والوزن، فالغزال مثلا تسهل قيادته بالألحان وان أناس تًأثروا بالصوت الحسن تأثرا شديدا إلى حد البكاء أو الصمت الرهيب حيث تتمثل إحدى الطرائق التي تستطيع الموسيقى من خلالها أن تؤثر على انفعالاتنا في قيام هذه الموسيقى بتحديد أو تعيين إيقاعاتنا الفسيولوجية مثل: إيقاع ضربات القلب، وموجات المخ الكهربية وكذلك تلك القوة الخاصة التي تمارسها عملية التقديم الإيقاعي للمثيرات من أجل إحداث حالات شبه تنويمية.

ونخلص إلى أن للموسيقى تأثيرا ماديا مباشرا وفعالا في الإنسان وتزيد من مردوده الحيوي في جميع مجالات الحياة.

2- التأثير النفسي:
ولمعرفة مكانة الموسيقى والسماع وأثراهما على شخصية الفرد، لا بد لنا من الرجوع إلى الوراء قليلا لكي نعرف دور الموسيقى والغناء في حياة الإنسان، فلو ألقينا نظرة سريعة على أهمية هذا الفن في العصور الماضية واستقرأنا اتجاهاته ومعاييره وشموليته وسيكولوجيته، لوجدنا أن الموسيقى بصفة عامة فن جماعي لا ينعزل عن سائر نواحي حياة الجماعات البشرية، تلك هي الحقيقة التي انتهى إليها الباحثون عندما أقروا أن الموسيقى والسماع إنما هما امتدادا لرغبة الإنسان الطبيعية للتعبير عن ذاته فهما يعبران عن عواطف ومشاعر قد لا تستطيع ألفاظ اللغة التعبير عنها. فهذا بيتهوفن في سيمفونيته الثالثة التي أجاب بها على مطامع نابليون بتيار من الأنغام تحول إلى تيار من العواطف البشرية الطالبة للحرية الثائرة على الظلم والاستبداد.

وقد اكتشفت الحضارات القديمة في مصر واليونان والصين والهند منذ أقدم العصور سحر الموسيقى والسماع بوجه عام وتأثيرهما البالغ على النفس واستخدموها في طقوسهم الدينية كأداة للسمو بها إلى درجة الشفافية. وهذا فروبل الذي نادى بضرورة جعل الموسيقى محور تكوين الطفل من المرحلة الأولى في حياته التعليمية، وهدفه من ذلك أن يهيئ لكل طفل فرصة النمو الروحي والوجداني المتكاملان. وقال أفلاطون أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم حتى أنه جعل للدولة حق الإشراف على الموسيقى لما لها من تأثير في تكوين الشخصية المتزنة المتناسقة وكذا في تنمية ملكة الخلق والابتكار، وكذلك نجد جان جاك روسو الذي نادى بضرورة استخدام أنماط موسيقيه مناسبة للتوجيه الذاتي للطفل. ويرى عدس أن الأنغام الموسيقية قادرة على أن تخلق جواً مختلفاً وحالة نفسية متغيرة، قد تبعث على الفرح والسرور، وقد تثير الحنق أو تثير الحماسة.

وما كان لعلم النفس أن يشهد لهذه الظاهرة الموسيقية والكشف عن أسرار المتعة الموسيقية وفهم الجوانب الهامة من التأثيرات السلوكية في ضبط السلوك الإنساني وتوجيهه و تطويره، ووحدة الجوانب الروحية والعقلية والجسمية والانفعالية في تكوين سلوك الأفراد وتطويره، مثلما يتوقف توجيه السلوك عن طريق الكلام كذلك يتوقف نوعية السلوك الجيد أو الغير جيد عن طريق الموسيقى. بل ذهب مارتن لوثر إلى أبعد من ذلك إذ اعتبر الموسيقى من أرقى الفنون وبأن أصواتها تحكي كلمات الحياة، وأن من يكون كفؤا لهذا الفن هو إنسان طيب يصلح لكل المهام الأخرى في الحياة. ويرى أن الموسيقى تثير الخواطر والذكريات، منها ما يثير الشجن و الحزن، ومنها ما يحث على الشجاعة والإقدام، ومنها ما يثير طربنا وفرحنا ، ومنها ما يعبر عن آلامنا وأمانينا، ومنها ما يكشف عن تلاحق و دبيب وسرعة الأيام وخفقات القلوب. بل أنه ذهب إلى أبعد من ذلك حيث أنه يرى أن الموسيقى تلعب دوراً لا يقتصر على الجانب الحسّي بل يرتبط بالمعنى وبالفكر وبالعاطفة.

وقد أثبتت التجارب العلمية في هذا الجانب أن بعض العواطف كالفرح والحزن والحب والشوق والسكون يمكن استثارتها بالموسيقى. كما أن الموسيقى السريعة الإيقاع هي أقوى العناصر الموسيقية على إثارة الهياج في حين أن الموسيقى الهادئة هي أقواها في خلق حالات الهدوء والتركيز، ثم أن أنواع الإيقاع في الموسيقى تساعد على بروز الحس الجمالي وعلى خلق الأمزجة المختلفة.

لذا نرى أن الموسيقى على مر العصور وحتى يومنا أخذت مكانها كأداة للتربية الروحية ووسيلة هامة لتهذيب النفس. وبدأت معظم دول العالم المتقدمة تهتم بالتربية الموسيقية. وقد وضعت من خلال مفكريها ومبدعيها دراسات وأساليب تعليمية مختلفة تتلاءم مع بيئتها مستفيدة من التجارب التي أوجدها علماء في التربية الموسيقية إيمانا منها لما في الموسيقى من أهمية في بناء شخصية الإنسان.

المصدر:
http://fononjamila.com/index.php?option=com_zoo&task=item&item_id=17&Itemid=55

الطالب نوار حسين

عدد المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 12/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى