الإصغاء والخلوة مع الذات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإصغاء والخلوة مع الذات

مُساهمة  الطالبة غنى عابدين في الأحد مايو 29, 2011 2:44 pm

يبيّن إريك فروم (عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي) في كتابه "الإنسان من أجل ذاته: بحث في سيكولوجية الأخلاق" أنّ شرط الوجود الإجتماعي هو الوجود في البيت، وشرط الإصغاء إلى الآخر هو الإصغاء إلى الذات.

وإصغاء المرء إلى نفسه يواجه في ثقافتنا الحديثة صعوبات جمة. يقول فروم: "إنّ إصغاء المرء إلى نفسه شديد الصعوبة لأنّ هذا الفن يقتضي قدرة أخرى، نادرة في الإنسان الحديث: هي قدرة المرء على أن ينفرد بذاته. ونحن في الحقيقة قد أنشأنا رُهاب الإنفراد؛ ونفضِّل أتفه صحبة أو حتى أبغضها، وأكثر النشاطات خلواً من المعنى، على أن ننفرد بأنفسنا.

الأننا نعتقد أننا سنكون في صحبة بالغة السوء؟ أعتقد أنّ الخوف من أن نكون وحيدين مع من أنفسنا هو إلى حد ما شعور بالإرتباك، يقارب الرعب من رؤية شخص معروف وغريب في وقت واحد؛ فنخاف ونولّي الأدبار. فنُضيع بذلك فرصة الإستماع إلى ذواتنا، ونستمر في جهلنا لأنفسنا".


على أنّه لا مندوحة للإنسان الذي يود أن يتقدم في الحياة من فهم نفسه بعمق إذا أراد أن يفهم الذين حوله ويفهم العالم. فالمعرفة النفسية ليست إختصاصاً قد نميل إليه أو لا نميل، بل هي ضرورة لنا جميعاً مهما كانت إختصاصاتنا وتوجّهاتنا.

ويقول فروم في كتابه "فن الإصغاء": "كيف للمرء أن يعرف العالم؟ كيف للمرء أن يعيش ويستجيب كما ينبغي إذا كانت تلك الأداة التي ستعمل، والتي ستقرر، مجهولة بالنسبة إلينا؟ نحن المرشد، والقائد لهذا الـ"أنا" الذي يتصرف على نحو ما لنعيش في العالم، ونكوّن القرارات، ونولي الأولويات، وتكون لنا قيم.

فإذا كان هذا الـ"أنا"، هذا الفاعل الأساسي الذي يقرر ويفعل، لا نعرفه كما ينبغي فإنّه ينجم عن ذلك أن كل أفعالنا، وكل قراراتنا قد تمت بحالة نصف عمياء أو بحالة نصف متيقّظة". ويقول أيضاً: "إنّ التحليل النفسي ليس مجرد علاج، بل هو وسيلة لفهم الذات. أي أنّه وسيلة في فن العيش، وهي في رأيي أهم وظيفة يمكن أن تكون للتحليل النفسي".

وإذا كانت فصول هذا الكتاب قد وُجّهت أصلاً لقائدة المحللين النفسيين، فإنّها قد راعت في الوقت نفسه أن تكون عوناً لكي يحلل كل إنسان نفسه ويفهمها ذاتياً. فمشكلة الإنسان ليست مستحيلة الحل، ولكن يجب مع ذلك عدم الإستهانة.

ونحن نجد في ثقافتنا العربية عند بعضهم نوعاً من الميل إلى الإستهانة بالمشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمع أو الأُمّة، توهماً من أولئك الناس أنّهم يسهّلون حلها. وهم في الحقيقة في عدم تحليل المشكلة في مختلف أبعادها، وإيمانهم بحل سحري آت لا ريب فيه، إنّما يعبّرون عن يأس عميق من حلها وعن ميل دفين إلى إسكات كل محاولة جدية للتغلّب عليها.

ويقول فروم في هذا الكتاب: "وكل نوع من التشجيع المغلوط فيه قاتل، مؤذ، إلا إذا كان المريض في حالة ميؤوس منها إلى حد أنّ المرء لا يستطيع أن يتوقّع أن يكون للحقيقة الكاملة أي جدوى بعد ذلك". ويقول أيضاً: "فإذا شجّعتُ شخصاً وبالغت في تقليل شدة المشكلة، فإنني لا أقوم إلا بإيذاء الشخص، وذلك ببساطة لأنني أمنع طاقة الطوارئ من الظهور".

والكتاب غني بالأفكار التي تساعد الإنسان على الإصغاء إلى نفسه وإلى غيره، غني بالتجارب والخبرات والأمثلة التي تساعد على معرفة الإنسان وتقدمه إلى الأمام، وعلى كشف ما يبديه المرء من مناورات لمقاومة التغيّر والصحة والتقدم، ومنها الميل إلى التوفيقية، وتساعد كذلك على التغلّب عليها.

وفي هذه المقدمة لا أود أن أقدّم تعريفاً تقليدياً بالمؤلف، الذي أستاذ عظيم في فن الإصغاء، بل سأحاول تقديم صورة وجيزة عن علم النفس لديه بمقارنته بنظرية الأنظمة الحية.

- فروم ونظرية الأنظمة الحية:
تحتل نظرية الأنظمة الحية في هذه الأيام مركز الصدارة في العلم. وتتم فيها رؤية التنظيم الذاتي، وبتعبير آخر، الإستقلال الذاتي، على أنّه علامة الحياة الفارقة؛ وهذه الفكرة يتم سبرها في عدة أنواع من السياقات، فيدرسها على مستوى الخلايا هومبرتو ماتورانا (Humberto Maturana) وفرنشيسكو فاريلا (Francisco Varela)، وتدرسها على مستوى الأسرة مدرسة ميلانو، ويدرسها على مستوى المجتمع نيكلاس لومان (Niclas Luhman).

وفي كل هذه الحقول إستكشف العلماء الأنظمة الحية، والكليات المتكاملة التي لا يمكن أن تُختزل خواصّها إلى خواص أجزاء أصغر منها. وتتيح نظرية الأنظمة طريقة جديدة في رؤية العالم وطريقة جديدة تُعرف بـ"التفكير على أساس الأنظمة" أو "التفكير النظامي" وهذا يعني التفكير على أساس السياق والعلاقات والنماذج والسيرورات.

والأنظمة الحية ليست طويلة – بل هي شبكات – على حين أنّ التراث العلمي التقليدي قائم على التفكير الطولي. وتقول نظرية الأنظمة إن ماهية الحياة لا تكمن في الجزئيات، بل في النماذج والسيرورات التي ترتبط بها هذه الجزئيات، ونماذج الحياة الأساسية هي طرق ترتيب العلاقات بين السيرورات البيولوجية.


والتحوّل الذي كان بالغ الإثارة في الفيزياء الحديثة كان تحوّلاً من رؤية العالم الفيزيائي بوصفه مجموعات الكينونات المنفصلة إلى رؤية شبكة العلاقات. فما ندعوه جزءاً من نموذج في تلك الشبكة من العلاقات قابل للتمييز، لأنّ له بعض الثبات. ويعتقد علماء نظرية الأنظمة بهذه الطريقة بدقة. وهم يقولون إنّ الكائن الحي يحدَّد بعلاقته بالبقية. فخواص الأشياء تنساب من علاقاتها. ورؤية العالم في نظرية الأنظمة إيكولوجية هوليسية، وتعني هوليسية أنها كلية ولكن كليتها ليست مجموع الأجزاء. وهذه الرؤية هي أكثر من ذلك.

المصدر: كتاب فن الإصغاء

الطالبة غنى عابدين

عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 13/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى