الطائفية والتدين الأعمى

اذهب الى الأسفل

الطائفية والتدين الأعمى

مُساهمة  الطالب جمال علوش في الجمعة مايو 27, 2011 3:23 pm

لأننا نعترف بحقائق التعدد الديني يحسن بنا ألا نرجع مصطلح - طائفي - إلى الطائفة بل إلى الطائف، وهو في بعض دلالاته ما كان كالخيال يلم بالشخص، يوسوس له بخطرات من الشيطان، تقبّح له الحسن وتحسن له القبيح، فيسكر بنشوة التضليل حتى تعمى عليه الأشياء فلا يبصر من الحقيقة إلا ما طاف في سبحات خياله من وهم يجنح فيه حتى تزل قدمه في شراك فتنة التعصب لرأي يحتمل الخطأ والصواب.



وقد ورد التحذير القرآني من هذا الطائف وخطورة مسه على البصر والبصيرة بقوله تعالى: «إن الَّذِينَ اتَّقَواْ إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ» (الأعراف: 201).

في سياق هذه اللفتة يعالج القرآن الكريم أشكال الأنانية الطائفية في مجالين أساسيين من مجالات الفتنة والانخداع، أحدهما: فتنة الانقياد لتأليه أنوات الهوى، أو فتنة الانبهار بالنرجسية الدينية. وثانيهما: فتنة الوقوع في أسر الموروث بذهنية التقليد الأعمى لعقائد الآباء والأجداد. ثم يلفت القرآن من بعد ذلك إلى وجوب نقد الذات الدينية ومحاسبتها على قاعدة النهي عن طرح الادعاءات والشعارات بغير منطق من علم أو هداية من كتب السماء.


كذلك فإن أخطر ما في العقل الطائفي هو نزعته الفظة لا إلى فكره الطائفي فحسب بل إلى ذاته المتعالية على الآخر بغرور احتكاره لفكرة الخلاص.
من هنا، فإن بناء الذات الدينية على تحنيط الدين سيلقي بظلال تشويهاته على جغرافية المكان الذي تترعرع فيه هذه الغلاظة المستبدة باسم الدين لتتفتح شهية المحتل في توظيفها سياسياً والتحالف معها، فضلاً عن اختلاق ما يشاكلها من بؤر الجهالات الدينية والتطرف الديني لتحقيق مشاريع تقسيم الأرض وتجزئة الهوية الوطنية إلى هويات طائفية قاتلة ليؤول المشهد المتمزق عن وضعها مجتمعة ضمن نطاق التبعية الكاملة لخرائط ما يسمى الشرق الأوسط الكبير الهادف إلى محو الذاكرة الجغرافية والتاريخية من خلال تدمير عنصر الانتماء الوطني والحضاري لأمتنا المثقلة بأحمال أمانة الدين والأنبياء.


وما من شك في أن اختزال العقل الطائفي لهذه الأمانة في طائفة دون غيرها وإسقاط التاريخ الديني بأكمله على خصوصية يتقوقع داخل أقفاصها، باعتبارها المثال النهائي والمقدس لصورة الدين سيدفعان بالواقع إلى التصادم مع مثيلات هذا الاختزال وهذا الإسقاط، الذي سيقودنا إلى فاجعة التصادم بالعنف والعنف المضاد. واللافت أن إستراتيجيات الغزو الأجنبي لبلادنا قامت في ماضي الاحتلال وجديده على تغذية هذا العقل من خلال تأسيس نموذج عنصري طائفي يستوحي شرعيته المزورة في مصدرين من مرجعيات المعرفة الدينية أحدهما: تزوير مرجعية الحقيقة العلمية، وثانيهما: تزوير النص الإلهي بتحريفه عن غير مقاصده أو تأويله تأويلاً يشوه الجوهر الإنساني والروحي من معناه ومن ذلك تزوير التوراة نفسها فيما شهدناه من تأسيس إسرائيل على أرضنا العربية المغتصبة باسم التوراة. ولا يمكن حماية هذا النموذج العنصري إلا في إقامة أسوار طائفية حوله تسمح بنشوء دويلات طائفية ضعيفة تمهد لتمزيق الجسم العربي من محيطه إلى خليجه. ولم تدم الحرب الأهلية في لبنان إلا باستدعاء العامل الطائفي الذي أدى إلى تشويه معنى انتمائنا للدين، ومعنى انتمائنا لوطن لا معنى لوجوده من خارج انتمائه لحضارته العربية.


وإذا كان العقل الطائفي ملتبساً بكل هذا الخطر على هويتنا واجتماعنا الديني والسياسي قبل وصوله إلى السلطة فماذا يكون الأمر لو أنه وصل إلى أي موقع في دويلة صغرى أو عظمى، بثقافة طائفية تفصّل الدين والأخلاق والسياسة على قياس هيكلها المبني على نفي الآخر وإلغائه؟ فهل نعترف أن الخلل كله في مشروعنا النهضوي لا يزال عالقاً في انغلاقات العقل الطائفي الذي اكتملت دوائره في العراق المثخن بجروح تناقضاته الوافدة إلى أرضه مع آلة الاحتلال العسكرية. والمعادلة الدائمة أنه لا سبيل أمام أي فكر مغلق على التمييز الديني أو التمييز العنصري سوى الإرهاب المجند أساساً لتفكيك الهوية عن بعضها وتحقيق الانسلاخ القومي الذي يخدم الاحتلال.


من هنا يجدر بنا مقاربة النزوع الطائفي في مستويين من أبحاثنا ودراساتنا أحدهما: البحوث المتصلة بموضوع الهوية والانتماء لنبحث في جدول أعمال وحدتنا من خلال المرتكز الحضاري لأعماق هذه الوحدة وروافدها. وثانيهما: البحوث والدراسات المتصلة بتأسيس علم السيكولوجيا الدينية كمدخل لتفهم ظاهرة السلوك الديني في جوانبه المضيئة والمعتمة عبر التاريخ.
ولا تخفى الإشارة إلى أن مصطلح الطائفية هو مصطلح سياسي والمراد منه في هذا المفصل من مفاصل الصراع مع المشروع الإسرائيلي هو استغلال التعصب للطائفية الدينية أو المذهب الديني لأغراض تخدم مصالح الاحتلال الذي يعمل منذ الهزيمة العربية عام 1967 ومنذ حرب الخليج عام 1990 إلى استبدال النظام السياسي العربي بنظام أوسطي جديد لا يمكن أن يتشكل إلا من خلال ضرب المناعة الدينية المتوحدة في النسيج الوطني للمجتمع العربي.


وبفعل إلحاح الإدارة الأميركية على تنفيذ السيناريوهات الجاهزة للشرق الأوسط الكبير فإنها تعلم أن لا مجال لضرب المناعة الدينية في بلادنا إلا من خلال تزوير الجانب الحضاري من ثقافتنا الدينية بسوق الطوائف إلى حمل رايات العنف الديني بديلاً من رايات المقاومة وكأن المطلوب من وراء بشاعات هذا التزوير كله رأس الحوار اليهودي - المسيحي - الإسلامي بوصفه المجسّد الإلهي لحضارتنا العربية وثقافتها المتناقضة تماماً مع الثقافة الصهيونية العنصرية.


وقد لعب الإعلام الديني المفضوح دوراً بارزاً في تثوير الأحقاد الدينية ويا للمفارقة أن ينسب الحقد إلى الدين والتدين لأغراض لا تخدم إلا الأشباح المعادية لنظام القيم والأخلاق. وأكاد أتهم بعض الأقلام التي ولغت بتسفيه تاريخنا المسيحي - الإسلامي وتحقيره من آيات سلمان رشدي إلى آيات دان براون الجديدة من أجل شهرة رخيصة أو حفنة من متاع الإثراء السهل.
وأراني أزعم أن ما نراه من عنف طائفي باسم الدين على مسرح الفتن المتتالية في عالمنا العربي والإسلامي يشكل في لحظته الزمنية والتاريخية أوسع عملية انتقام لمشروع النهوض العربي من خلال ضرب منطقة العصمة والاعتصام المتجلي فادياً في فكر المقاومة وثقافتها.


وبذلك فإن أخطر ما نواجهه من تحديات في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا هو ذلك التدمير المنهجي لمقومات التوازن بين الديني والسياسي والثقافي في شخصيتنا الحضارية. وخيارنا أن نعي أهمية النهوض بقوة الوحدة لترميم ما تصدع من نظامنا الأمني القومي بوصفه البديل الوحيد لنظام أوسطي يحاصرنا ويضغط علينا بشتى أشكال العنف والإكراه وبشتى شعارات الإصلاح المخادع والديمقراطية الكاذبة.
وليس من الصحيح أبداً أن لا مستقبل للمنطقة العربية إلا بالرضوخ والاستسلام والتراجع أمام العدو بذريعة تفوقه العسكري، لأن البديل الحقيقي الذي ما زال ممكناً هو التأكيد على وحدة دينية وطنية منتظمة بجدائل وحدتنا الحضارية الواعية باتساعها لاحتضان شجاعة المقاومة من منطلق الإيمان بإرادة الشعوب القادرة أبداً بمنطق التاريخ على كسر واقع الكلونولية الجديدة وسفورها العلني.
ولا مفر إزاء هذه الحقيقة من تجسير التواصل بين قوى الممانعة العربية تحت راية الدفاع عن شرف أوطاننا المسبية في واضحة النهار والاحتلال.


والآن ومع تصاعد الضغط الأميركي على لبنان لتجريده من سلاح المقاومة ومع وضوح المخططات الأميركية الرامية إلى دفع سورية للتنازل عن إستراتيجيتها في دعم لبنان المقاوم وفلسطين الانتفاضة والسلطة والعراق الموحد بجميع أبنائه فإن العقوبات الجاهزة ضد سورية ستعمل في الخفاء وفي العلن على نشر الفوضى الأمنية من خلال ضرب مركز المناعة في وحدتنا الوطنية واستهداف نقاط الضعف فيها فيما نراه من تفجيرات طوائفية واثنية في لبنان ومصر والعراق ولا يمكن إثبات إخفاق هذه الفوضى وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط كله إلا بتوفير الشروط الموضوعية لتحصين جبهة الداخل وفي رأسها شرط الأمن الديني الحاضن لصبر المقاومة وتطلعات نهوضها على أرض منبتها المبارك في فلسطين ولبنان والعراق بوعي جديد يفتح آفاقها على جميع أبعادها ومفهوماتها في الفكر والدين والسياسة والتنمية والإصلاح واتصالها مجتمعة بقضية سلام الداخل المنسوج بحب اللـه على محبة المكان والإنسان حيث الأمل معقود بهذا الحب على فتح نوافذ الحوار المهموم بتنقية الذاكرة الدينية بأخلاق التسامح والاعتذار لمواجهة أسئلة المستقبل.. من نحن؟ وماذا نريد؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
وعلى أرض سورية وتحت فضائها الطلق ستزهر الإجابات الحضارية نموذجاً يحتذى لكل سؤال يبحث في معنى الدين والهوية والإنسان.

الشيخ حسين أحمد شحادة

المصدر:
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=101092

الطالب جمال علوش

عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى